الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
75
صفة جزيرة العرب
ينظرون في الأمور الإلهية ، وأخلاقهم أخلاق عدلة أحرار وأنفسهم نبيلة قوية وهم مبغضون للشر يمقتون النميمة والسعاية ، مودّتهم صحيحة يسهل عليهم بذل أنفسهم للموت دون قراباتهم ، ومن استنصرهم في الأمور الحسنة المحمودة ، مقتصدون في مجامعة النساء ، أصحاب عفة وطهارة ، يلبسون اللباس الكبير الثمن ، ويجيزون الجوائز وهممهم رفيعة ، ولهم دهاء ومكر وتعمق في الرأي والنظر ، وذلك لاشتراك المشتري وزحل في المشرقية ، فينفرد الجوزاء وعطارد من هذا الحيز بجرجان وطبرستان وأرمينية وما صاقبها ، فصار أهل هذه المواضع أسرع حركة ، وأميل إلى الخبث ، وحسنت سيرتهم ، وظهر خيرهم ، وكثرت حيلهم ولطف مكرهم ، وانكتمت أسرارهم لأجل خفة حركة عطارد وطول اختفائه . وينفرد الميزان والزهرة بأرض بلخ وأرض الشاش وما صاقبهما ، فلذلك صار أهل هذه البلدة كثيري الأموال محبين للموسيقى مترفين ، وصار عليهم عيشهم لينا نافعا ، وينفرد الدلو وزحل بالسّغد وسور وماطيقا بلاد النساء المقطعات الثدي ، وما أخذ أخذها يريد الترك والخزر ، فلذلك صار أهل هذه البلاد أعزاء أشداء أهل فظاظة وجفاء وأجسام قوية مع وحشية وزعارة « 1 » وأخلاق كأخلاق السباع . وأما باقي أجزاء هذا الربع الذي يلي وسط الأرض المسكونة وما يقع في جزيرة العرب منه أو يجاورها فآذربيجان وتخوم ديار ربيعة وديار « 2 » مضر إلى ما يلي الجنوب والدّبور فإلى ما قارب شرق الثغور الشآمية ، وتسمى هذه البلاد باليونانية بيوتونية وفروجية وقبادوقية ولودية وقيليقية أي قالى قلا وجانب سورية وتدمر ، ويقبل أيضا مشاكلة المثلث المنسوب إلى ما بين الجنوب والدبور وهو مثلث السرطان والعقرب والسمكة ، ويشترك في تدبيره المريخ والزهرة وعطارد أيضا لاشتراكه ووقوع حصته في الوسط ، ولذلك صار أهل هذه البلاد في أكثر الأمر يعظمون الزهرة ، ويسمونها بأسماء كثيرة مختلفة في كل اسم ، ويسمون المريخ أدونيس وبأسماء أخر ، ويتعبدون
--> ( 1 ) الزعارة : سوء الخلق . ( 2 ) ديار ربيعة بن نزار بين الموصل إلى رأس عين بالعراق سميت ديار ربيعة لأن قبيلة ربيعة ابن نزار نزلته قبل الاسلام . وديار مضر بالضاد المعجمة وهو مضر بن نزار أخو ربيعة بن نزار وديارهم ما كان في السهل من شرقي الفرات نحو حران والرقة والجزيرة الفراتية ويأتي ذكرها للمؤلف .